محمد بن جرير الطبري

242

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وتركه معاجلتهم بالعذاب ، فبين بذلك أنه عنى بقوله : وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون نفي العجلة عن نفسه ووصفها بالأناة والانتظار . وإن كان ذلك كذلك ، كان تأويل الكلام : وإن يوما من الأيام التي عند الله يوم القيامة يوم واحد كألف سنة من عددكم ، وليس ذلك عنده ببعيد وهو عندكم بعيد فلذلك لا يعجل بعقوبة من أراد عقوبته حتى يبلغ غاية مدته . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير ) * . يقول تعالى ذكره : وكأين من قرية أمليت لها يقول : أمهلتهم وأخرت عذابهم ، وهم بالله مشركون ولأمره مخالفون وذلك كان ظلمهم الذي وصفهم الله به جل ثناؤه فلم أعجل بعذابهم . ثم أخذتها يقول : ثم أخذتها بالعذاب ، فعذبتها في الدنيا بإحلال عقوبتنا بهم . وإلي المصير يقول : وإلي مصيرهم أيضا بعد هلاكهم ، فيلقون من العذاب حينئذ ما لا انقطاع له يقول تعالى ذكره : فكذلك حال مستعجليك بالعذاب من مشركي قومك ، وإن أمليت لهم إلى آجالهم التي أجلتها لهم ، فإني آخذهم بالعذاب فقاتلهم بالسيف ثم إلي مصيرهم بعد ذلك فموجعهم إذن عقوبة على ما قدموا من آثامهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم ئ والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم ) * . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : قل يا محمد لمشركي قومك الذين يجادلونك في الله بغير علم ، اتباعا منهم لكل شيطان مريد : يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين أنذركم عقاب الله أن ينزل بكم في الدنيا وعذابه في الآخرة أن تصلوه مبين يقول : أبين لكم إنذاري ذلك وأظهره لتنيبوا من شرككم وتحذروا ما أنذركم من ذلك لا أملك لكم غير ذلك ، فأما تعجيل العقاب وتأخيره الذي تستعجلونني به فإلى الله ، ليس ذلك إلي ولا أقدر عليه . ثم وصف نذارته وبشارته ، ولم يجر للبشارة ذكر ، ولما ذكرت النذارة على عمل علم أن البشارة على خلافه ، فقال : والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات منكم